قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه المولى عز وجل:
«ولو أنَّ للدعوة المحمدية عُشر ما للدعوة المسيحية من أَسنَادٍ وأمداد، وهِمَم راعية، وألسنةٍ داعية، لَغَمَر المشرقين، وعَمَر القُطبين، ولو أنَّ ديناً لقي من الأذى والمقاومة عُشر ما لقي الإسلام لتلاشى واندثر، ولم تبق له عينٌ ولا أثر، وإنَّ من أكبر الدلائل وأصدق البراهين على حقية الإسلام بقاءه مع هذه الغارات الشعواء من الخارج ومع هذه العوامل المخربة من الداخل، وإنَّ هذه لأنكى وأضر، فلكم أراد به أعداؤه كيداً تارة بقوة السيف، وتارة بقوة العلم، فوجدوه في الأولى صلب المَكسر، ووجدوه في الثانية ناهض الحجة، ورُدُّوا بغيظهم لم ينالوا خيراً، ولكنهم عادوا فضللوا أبناءه عنه، ولفتوه عن مشرقه، وفتنوهم بزخارف الأقوال والأعمال؛ ليصدوهم عن سبيله، وإنّ أخوف ما يخاف المشفقون على الإسلام جهل المسلمون لحقائقه، وانصرافهم عن هدايته، فإنَّ هذا هو الذي يُطمِعُ الأعداءَ فيهم وفيه، وما يُطمع الجار الحاسد في الاستيلاء على كرائم جاره الميت إلا الوارث السفيه».
آثار محمد البشير الإبراهيمي (2/82).
قال الشَّيخ الطَّيِّب العقبي رحمه الله:
«...فإنَّ الأمَّة في حاجَةٍ وضرورةٍ إلى الإصلاح، لا من ناحية الدِّين فقط، بل في منَاحٍ شتَّى وجهاتٍ عديدة، ولكن ناحية الدِّين عندنا أهمُّ من كلِّ ناحيةٍ؛ لأنَّها إذا صَلَحت في دينِها، وصَلَحت في عقائدِها، أمكنَها أن تَصلُحَ في كلِّ أعمالها كما تُصلِحُ في دنياها، ولله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ».
[جريدة «السُّنَّة» ـ العدد الخامس ـ 13/01/1352هـ الموافق لـ 8/05/1933م
قال الذهبي:
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا حرملة، سمعت ابن وهب يقول:
«نذرت أني كلما اغتبت إنسانا أن أصوم يوما، فأجهدني فكنت أغتاب، وأصوم، فنويت أني كلما اغتبت إنسانا أن أتصدق بدرهم، فمنْ حُبِ الدراهم تركتُ الغيبة».
قلت ـ الذهبي ـ: هكذا والله كان العلماء؛ وهذا هو ثمرة العلم النافع.
[«سير أعلام النبلاء» (9/228
قال الحافظ الذهبي (ت 748هـ) رحمه الله:
«فأقلُّ مراتب النهي أن تُكرَه تلاوةُ القرآن كلِّه في أقلَّ من ثلاث، فما فَقه ولا تدبَّر من تلا في أقلَّ من ذلك. ولو تلا ورتل في أسبوع، ولازم ذلك، لكان عملاً فاضلاً، فالدِّينُ يُسرٌ، فوالله إنَّ ترتيل سُبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النَّوافل الراتبة، والضحى، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقظة، ودُبر المكتوبة والسَّحَر، مع النَّظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصاً لله، مع الأمر بالمعروف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق، ونحو ذلك، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب، واجتناب الكبائر، وكثرة الدعاء والاستغفار، والصدقة وصلة الرحم، والتواضع، والإخلاص في جميع ذلك، لشُغلٌ عظيمٌ جسيمٌ، ولمَقامُ أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين، فإنَّ سائر ذلك مطلوب.
فمتى تشاغل العابِد بختمة في كلِّ يوم، فقد خالف الحنيفية السَّمحة، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه ولا تدَبَّر ما يتلوه ...
وكلُّ من لم يَزُمَّ نفسه في تعبُّده وأوراده بالسنة النبوية، يندَمُ ويترَهَّب ويسوء مِزاجُه، ويفوته خيرٌ كثير من متابعة سنة نبيِّه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص على نفعهم، وما زال صلى الله عليه وسلم معلِّماً للأمَّة أفضلَ الأعمال، وآمراً بهجر التَّبتُّل والرهبانية التي لم يُبعث بها، فنهى عن سَرد الصَّوم، ونهى عن الوصال، وعن قيام أكثر الليل إلاَّ في العَشر الأخير، ونهى عن العُزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي.
فالعابد بلا معرفةٍ لكثير من ذلك معذورٌ مأجور، والعابد العالم بالآثار المحمدية، المتجاوز لها مَفضولٌ مغرور، وأحبُّ الأعمال إلى الله تعالى أدومُها وإن قلَّ، ألهمنا الله وإيَّاكم حسن المتابعة، وجنَّبنا الهوى والمخالفة ».
سير أعلام النبلاء (3/84 – 86).